عمر فروخ

430

تاريخ الأدب العربي

الفساد ، بل كثيرا ما كان يتقدّم هو فيباشر تغيير ذلك الفساد بنفسه . نشب بين الملك الصالح إسماعيل سلطان دمشق وبين ابن أخيه الملك الصالح نجم الدين أيوب سلطان مصر خلاف . وخاف الملك الصالح إسماعيل على حكمه من الملك الصالح نجم الدين فحالف الإفرنج الصليبيّين وتنازل لهم عن قلعة صفد وقلعة الشقيف ثمّ أذن لهم بدخول دمشق لشراء الأسلحة . فأنكر المسلمون هذا العمل واستفتوا العلماء فيه فأفتى العزّ بن عبد السلام بتحريم بيع السلاح للإفرنج ، ثمّ لمّا كان يوم الجمعة التالي خطب العزّ بن عبد السلام في جامع دمشق وذمّ السلطان على فعلته وترك ذكر اسمه عند الدعاء للمسلمين ولأمراء المسلمين . وغضب الملك الصالح إسماعيل فعزل العزّ بن عبد السلام من الخطابة وسجنه . ولكنّ العلماء سخطوا على الملك الصالح إسماعيل وكلّموه في إطلاق سراح العزّ بن عبد السلام فأمر بإطلاقه خوفا من نقمة العامّة . وقد اتّسعت في هذه الفترة دراسة الفقه والحديث وخصوصا بين النساء . الصوفية والحشيش وزاد انتشار التصوّف في هذه الفترة ، فإنّ جماعات من الناس هالهم استمرار الحروب الصليبيّة مدّة طويلة مع ما رافق تلك الحروب من الكوارث والصعاب فجبنوا عن الكفاح وهربوا إلى كسل التصوّف . ومن الحقّ أن يعدّ التصوّف المتطرّف من الحركات الهدّامة في الإسلام - مثل الحركة الباطنية أو أشدّ خطرا - لأنّ أتباعه وقفوا ، في أثناء الحروب الصليبية ، موقفا سلبيّا من جميع أوجه الدفاع عن الاسلام حتّى بالكلمة الصالحة . ثمّ إنّ التصوّف المعتدل أيضا - كتصوّف الإمام الغزّالي ( ت 505 ه ) - لم يكن يخلو من المغامز ، إذا نحن نظرنا إلى موقف الإمام الغزّالي وإلى سكوته المحيّر وقد استولى الإفرنج الصليبيّون في أيامه على القدس وارتكبوا فيها من الفظائع بالتقتيل والتخريب وبتدنيس شعائر الإسلام ما لا تستطيع أن تصفه بلاغة ولا أن يحيط به بيان . ولم يكتف المتصوّفة في تلك الفترة بإغماض أعينهم عن الأخطار التي كانت تحيق بالمسلمين وبالإسلام نفسه ، بل أرادوا أن يميتوا ضمائرهم فلا يشعروا بعد ذلك بشيء - ولو مقدار وخز إبرة - من كوارث تلك الحروب